فما تقوله أمته ﷺ في كل صلاة: «السلام عليك أيها النبي» ما هو الا امتثال لما في ذلك السلام الإلهي المقدس من أمر. وهو في الوقت نفسه بيعة مع الرسول ﷺ، و تجديد يومي لبيعته، أي الرضى به رسولا والطاعة والانقياد لما جاء به، وهو في الوقت نفسه تهنئة و تحية لرسالته.. وشكرانٌ يقدمه العالم الإسلامي أجمع يوميا لما بشّرهم به من سعادة أبدية.
نعم، إن كل إنسان يتألم من زوال وجوده، كما يتألم من خراب بيته، ويتألم أشد الألم بدمار بلده، بل يتجرع قلبه آلاما وغصصا بفراق أحبائه ووفاتهم، بل يتحرق وجدانه وروحه حتى كأنه في جهنم معنوية كلما تفكر بزوال دنياه الخاصة -وهي بكبر الدنيا- ودمارها نهائيا في الختام. لذا فكل إنسان راشدٍ -أي ما لم يكن فاقد القلب والروح والعقل- يدرك بلا شك أن ما أتى به الرسول الكريم ﷺ من بشرى عظيمة سارة، مما رآه رؤيةَ عينٍ وبصرٍ في ليلة المعراج من سعادة أبدية، ومن تنعم أهل الإيمان في جنة خالدة، ومن عدم فناء أحباء الإنسان الذين يرتبط بهم بعلاقة، ومن لقائهم الحتمي بعضهم بعضا بعد زوالهم.. أقول: سيدرك هذا الإنسان مدى ما تحمله تلك البشرى السارة والهدية البهيجة من فرح وانشراح، ويدرك أيضا سبب استقبال عالم الإسلام تلك الهدية الغالية بقولهم: «السلام عليك أيها النبي» كما يقوله كل موجود معنىً وبلسان هذه الحقيقة، إذ تتحول صحائف الكائنات إلى كتابات صمدانية بتلك الهدية المعنوية، وتتظاهر القيمة الحقيقية للمخلوقات وكمالاتها برسالته. وما «السلام عليكم» الذي تتبادله الأمة الإسلامية كسنة نبوية وشعيرة للإسلام إلّا شعاع من تلك الحقيقة العظمى.
الباقي هو الباقي
سعيد النورسي
Yükleniyor...