وكذا غمرَتني سعادة روحية لا منتهى لها بنجاتي من آلام غير محدودة، ناشئة من علاقتي بأبناء جنسي، وشفقتي على أقاربي، فقد أحسستُ بشعور إيماني أن جميع أقاربي نسلا ونسبا ومعنىً والذين أفديهم بحياتي وبقائي -بفخر واعتزاز فطري- لأجل خلاصهم من المهالك والمخاطر، وفي المقدمة آبائي وأمهاتي.. أحسست أنهم ينجون من الفناء والعدم والإعدام الأبدي ومن آلام غير محدودة، وينالون رحمة واسعة مطلقة ببقاء الباقي الحقيقي وبوجوده سبحانه؛ وأن رحمة واسعة مطلقة ترعاهم وتحميهم بدلا من شفقتي الجزئية القاصرة التي لا تأثير لها والتي هي مبعث ألمٍ وغمٍ. فكما تتلذذ الوالدةُ بلذّةِ ولدها وتذوق الراحةَ براحته، تلذذتُ أنا كذلك وسعدتُ بنجاة جميع أولئك الذين أشفقُ عليهم، بانضوائهم تحت حماية تلك الرحمة الواسعة، وبتنعمهم في ظلها، وانشرحتُ فرحا جذلا بهذا الشعور، فشكرت الله من الأعماق.
وكذا علمتُ بذلك الشعور الإيماني نجاة رسائل النور التي هي ثمرةُ حياتي ومبعثُ سعادتي ووظيفة فطرتي، نجاةً من الفناء والضياع والضمور ومن عدم الجدوى والنفع، وعلمتُ بذلك الانتساب الإيماني، بل شعرت ببقاء تلك الرسائل نضِرةً طرية، وأحسست بنمائها معنىً، بل ببقائها ودوامها وإثمارها ثمرات يانعة. فحصلتْ لي القناعةُ التامة أن في هذا لذةً معنوية تفوق كثيرا لذةَ بقائي، ولقد أحسست بتلك اللذة إحساسا حقا كاملا، لأنني آمنت أنه ببقاء الباقي ذي الكمال وبوجوده لا تُنقَش رسائل النور في ذاكرة الناس وقلوبِهم وحدَها
Yükleniyor...