ولقد ساق وجود قوة الاقتدار والاختيار والذكاء -المثير للحرص القائد إلى الحرمان على الأغلب- أولئك الأدباءَ الذين يستشعرون بها، إلى التذلل وإلى ما يشبه التسوّل، بينما أوصل عدمُ الاقتدار المكللُ بالتوكل أغلبَ العوام البُله إلى الثراء والغنى، حتى سار مثلا:
كم عالِمٍ عالمٍ أعيتْ مذاهبُه وجاهلٍ جاهلٍ تلقاهُ مرزوقا (11)
مما يثبت أن الرزق الحلال لا يحصل عليه المخلوقُ ولا يجده بقوة الاقتدار والاختيار، وإنما يُعطَى له من لدن مرحمةٍ قد قَبِلت كدَّه وسعيَه، ويُحسَن إليه من عند شفقة ورأفة رقّت على احتياجه وافتقاره، غير أن الرزق نوعان:
الأول: الرزق الحقيقي والفطري للمعيشة، الذي هو تحت التعهد الرباني، وهو مقدّر بحيث إن المدّخَر منه في الجسم بصورة دهون أو بصور أخرى يمكنه أن يعيّش الإنسانَ ويديم حياتَه أكثر من عشرين يوما دون أن يذوق طعاما. فالذين يموتون جوعا في الظاهر قبل عشرين أو ثلاثين يوما من دون أن ينفد رزقُهم الفطري لا ينشأ موتُهم من انعدام الرزق، بل من مرض ناشئ من سوء التعود ومن ترك العادة.
والقسم الثاني من الرزق: هو الرزق المجازي والاصطناعي الذي يكون بحكم الضروري بعد أن يدمن الإنسان عليه بالتعود والإسراف وسوء الاستعمال. وهذا القسم ليس ضمن التعهد الرباني وتكفله بل هو تابع إلى إحسانه سبحانه. فإما إن يمنحه أو يمنعه.
Yükleniyor...