وغاية فقره واحتياجه هذه الموجودات. وما علمُه المقبول إلّا معرفةُ مَن كرّمه وسخّر له وجهّزه للعبادة والسعادة بتعلّمِ حكمةِ الكائنات بوجهٍ يُنتج معرفةَ خالقها بأسمائه، وصفاته وجلاله وجماله وكماله. وغيرُ هذا الوجه إما ما لا يعنينات أو ضلالات.

اَللَّهُمَّ اجعلنا لك عبيدا في كل مقام قائمين بعبوديتك متضرّعين لألوهيتك مشغولين بمعرفتك.

اعلم أن الخالق الحكيم، لامتناع العجز عليه، ولكمال جُوده، يخلق الذرة كما يخلق الشمس، ويعطي لها الوجود مثلها.. فكما يخلق الذرة مع الشمس، كذلك يخلق أصغر النبات كأكبر الشجر. وكما يخلق المَلَك المسخّر على الشمس مع المَلَك المسخّر على القطرة، كذلك يخلق أصغر الحوينات كأكبر الحيوان، فيستعبده مثلَه، ويوجِد الفردَ الواحد بأحسن وجه، كما يوجد مجموع الأفراد الغير المحدودة.. ولكل من الموجودات صغيرا وكبيرا قليلا وكثيرا وظيفةٌ لائقة.. وحكمة مناسبة وغاية حسنة.. من خزينة رحمةِ مَن ﴿ اِنَّمَٓا اَمْرُهُ اِذَٓا اَرَادَ شَئًْا اَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ❀ فَسُبْحَانَ الَّذ۪ي بِيَدِه۪ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَاِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ (يس:٨٢، ٨٣).

[١٦] اعلم (45) أيها المسلم أن لك في تطبيق عملك العرفي ومعاملتك العادية على الأصول الشرعية.. خزينةً أُخروية وإكسيرا كبيرا. يصير به كل عمرك عملا، وكل عاداتك المباحة عبادةً، وغفلتُك بمشاغلك حضورا.

مثلا: إذا بعتَ أو اشتريت شيئا وعملت بما يقوله الشرع في تلك المعاملة فتخطرتَ حُكمه في الإيجاب والقبول، صار لك نوع حضورٍ وعبادةً وإطاعة وعملا أخرويا، فقِس واغتنم.

طوبى لمن نوّر حركاتِه بالآداب الشرعية. فيا سعادة مَن وفّقه الله لاتّباع السنّة في أعماله ومعاملاته حتى أورث عمرُه الفاني أثمارا باقية.. ويا خسارة مَن خذله الله باتباع الهوى فاتّخذ إلهه هواه حتى صار عمرُه هواء وعمله هباءً.

اَللَّهُمَّ وفّقنا لمرضاتك والعمل بكتابك وسنة نبيّك. آمين.


 /  
477
Yükleniyor...