«تتمة لمبحث العندليب»

ولا تحسبن أن هذه الوظيفة الربّانية في الإعلان والدلّالية والتغني لذوي الأسماع بهزجات التسبيحات مخصوصةٌ بالعندليب. بل كل نوع له عندليب يمثل ألطفَ حسيّات ذلك النوع بألطف تسبيح في ألطف تسجيع. لاسيما في أنواع الهوام والحشرات؛

فمنها ما له عندليب وبلابل كثيرة، تنشد على رؤوس كثير من أنواع الهوام والحشرات الصغيرة المختلفة سجعاتِ تسبيحاتٍ يلتذّ باستماعها جميعُ مَن له سمع.

فمنها ليلية ذات سرود؛ (43) في مسامرةٍ لصغار الحُوَينات من نوعها وغير جنسها في سكوت الليل وسكونه حتى كأنها قطب حلقةِ ذكرٍ خفي. لأن الغناء كاللسان المشترك العمومي يفهمه كل من له سمع وحسّ.

ومنها نهارية؛ ذات تسبيحات بتسجيعات وهزجات لطيفة رفيعة تنشدها في فصل الصيف على منابر الأشجار على رؤوس جميع ذوي الحياة. وهي تفوق البلبل المشهور بمراتب حتى كأنها رئيس حلقةِ ذكرٍ جهريّ تُهيّج جذبات المستمعين وتُنطقهم كلٌّ بلسانه.

وأفضلُ جميع الأنواع وأشرفُ عندليبها وأنورُها وأبهرُها وأعظمُها وأكرمُها وأعلاها صوتا وأجلاها نعتا وأتمّها ذكرا وأعمّها شكرا، عندليبُ نوعِ البشر في بُستان الكائنات، حتى صار بلطيفاتِ سجعاته بلبلَ جميع الموجودات في الأرض والسماوات.. عليه وعلى آله وأمثاله أفضل الصلوات وأجمل التسليمات. آمين.

اعلم (44) أنه يُفهم من كمال ذكاوة الحيوان وقتَ خروجه إلى الدنيا، ومهارته في العلم العملي المتعلق بحياته، أن إرساله إلى الدنيا للتعمّل لا للتكمل بالتعلّم.

ويُفهم من كمال جهالة الإنسان وعجزه وقت إخراجه إلى الدنيا واحتياجه إلى التعلّم في كل مطالبه وفي جميع عمره أن إرساله إلى الدنيا للتكمّل بالتعلّم والتعبّد لا للتعمّل. وما عملُه المطلوب إلّا تنظيم أعمالِ ما سخّره الله له من النباتات والحيوانات والاستفادة من نواميس الرحمة.. وإلّا الدعاء والالتجاء والسؤال والتضرع والتعبّد لمن سخّر له مع نهاية ضعفه وعجزه


 /  
477
Yükleniyor...