فالحيوانات بامتثالها للأوامر التكوينية بكمال الإطاعة، وإظهارِها لغايات فطرتها بأحسن وجه باسمه، وتظاهرات حياتها بوظائف [١٥] بأبدع طرز بحوله، وهكذا من سائر تسبيحاتها.. تقدم هدايا عباداتها ومزايا تحياتها لجناب فاطرها.
فالتحيات تظاهرات الحياة بلطائف آثارها المطلوبة لواهب الحياة.
وأما النباتات والجمادات فلأجل أن لا اختيار لها، لا معاشَ لها، فأعمالُها خالصةٌ لوجه الله، وحاصلةٌ بمحض إرادة الله وباسمه وبحسابه وبحوله. إلّا أنه يتظاهر من حال النباتات أن لها تلذّذاتٍ بوظائفها ولا تألماتِ لها، خلافا للحيوان المختار. فله الألم كاللذّة. ولأجل عدم تداخل الاختيار في أعمال الجماد والنبات تكون آثارها أكمل من أعمال ذوي الاِختيار، ثم عملُ ذي الاختيار المنوّر بالوحي والإلهام كالنحل وأمثاله أجملُ من غيره المعتمِد على اختياره.
وأما الإنسان فهو كالمَلَك في كلية العبادة وشمول النظارة وإحاطة المعرفة ودلّالية الربوبية، بل أجمع منه. إلّا أن له نفسا شريرة مشتهية، فله ترقيات وتدنيات.
وكالحيوان في إدخاله في عمله حظا لنفسه وحصةً لذاته، فله معاشان معجّل جزئي حيواني، والآخر مؤجل كلي مَلَكي. فتأمل تَنَلْ.
ولقد ذكرنا في دروس «رسالة النور» كثيرا من أسرار عبودية الإنسان ووظيفته وقسما من عبادة النبات والجماد وتسبيحاتهما فلا حاجة إلى التطويل هنا، فإن شئت فراجع تلك الدّروس لترى سرّ سورة «والتين والزيتون» وسورة «والعصر».
Yükleniyor...