يترتّب على عملهم من الغايات العالية الكلية. حتى قد يتوهم البعضُ أنْ ليس لعمله غايةٌ إلّا ما يعود إلى نفسه من الأجرة والمعاش.

والثالث: حيوانات له يستخدمها، فليس لها إلّا العَلَف والتلذّذُ بالعمل فيما تستعدّ له، إذ في خروج الاستعداد من «القوّة» إلى «الفعل» لذة عامة.

والرابع: عَمَلة عالمون بمَ ولِمَ يعملون وتعمل سائرُ العَمَلة، وعارفون بمقاصد الملك. فلهم رياسة ونظارة على سائر الخَدَمة، ولهم معاش متفاوت على درجات رُتَبهم.

كذلك إن مالك السماوات والأرض وبانيها، استخدم واستعبَد الملائكة، ثم الحيوانات، ثم الجمادات والنباتات، ثم الأناسي، لا للحاجة؛ إذ هو خالقُهم وما يعملون، بل للعزّة والعظمة وشؤونات الربوبية وغير ذلك.

فأما الملائكة فليس لهم ترقيات بالمجاهدة. بل لكلٍّ منهم «مقام معلوم» لكن له ذوق مخصوص في نفس عملهم وفيوضات بنسبة درجاتهم، في نفس عباداتهم. فمكافآت خَدَماتهم مندرجة في عين خدماتهم. فكما يتغذى الإنسان بالماء والهواء والضياء والغذاء ويتلذذ بها، كذلك الملائكة يتغذَّون ويتنعّمون ويتلذذون بأنوار الذكر والتسبيح والحمد والعبادة والمعرفة والمحبة، لأنهم من النور فيكفي لغذائهم النورُ والنوراني، كالروائح الطيّبة، ولهم سعادة عظيمة في فعلهم بأمر معبودهم، وفي عملهم بحسابه، وخِدمتِهم باسمه، ونظارتِهم بنظره، وتشرّفهم بانتسابه، وتنزهّهم بمطالعة مُلكه وملكوته، وتنعّمهم بمشاهدة تجليات جماله وجلاله.

وأما الحيوانات فلوجود النفس المشتهية فيها مع اختيارٍ جزئي ليست أعمالُها خالصةً بحسابه وحسْبةً محضةً لوجهه، فلهذا يعطيها مالِكُها الكريم معاشا في ضمن عملها لأجله.

مثلا: إن العندليب المشهور بالعشق للورد يستخدمُه فاطرُه الحكيم لإعلان المناسبة الشديدة بين طوائف النبات وقبائل الحيوان. فالعندليب خطيب رباني من طرف الحيوانات -التي هي ضيوف الرحمن- وموظّف لإعلان السرور بهدايا رازقها. ولإظهاره حُسن الاستقبال للنباتات المرسَلة لإمداد أبناء جنسه، ولبيان احتياج نوعه البالغ ذلك الاحتياجُ إلى درجة العشق، على رؤوسِ جميلاتِ النباتات، ولتقديم ألطف شكرٍ في ألطف شوقٍ في ألطف وجهٍ لجنابِ مالكِ الملك ذي الجلال والجمال والإكرام.. فهذه غايةُ عمله بحسابه


 /  
477
Yükleniyor...