اعلم أنى قد تيقنت بلا ريب أنه لو لم تصدُق «الموجبة الكلية» لزِم صدقُ «السالبة الكلّية» في مسألة خلق الأشياء؛ إذ كل الخلق بالتساند المنتظم كلٌّ لا يقبل التجزي، فإما وإما. (10) مع أن الوهم الذي يطيق أن يتوهم عدمَ العلة في كل شيء أوهنُ بمراتبَ من نسج العنكبوت، فالقبول في شيء ما، يستلزم بالحدس الصادق القبولَ في كل شيء.
وكذا، إن الخالقَ إما واحدٌ وإما غيرُ متناهٍ، لا وسط قطعا، إذ الصانع لو لم يكن واحدا حقيقيا، لكان بالضرورة كثيرا حقيقيا. وهو ما لا يتناهى. وعلى الثاني -مع محالات عجيبة- يلزم عدمُ التركيب وفقدُ الوحدة مطلقا وامتناعُ الوجود.
اعلم أنه كما أن من المحال الظاهر أن يكون منيرٌ غيرَ متنور، والموجِد غيرَ موجود، والموجِب غيرَ واجب.. كذلك محالٌ أن يكون مُنعِمُ العلم غيرَ عالم، ومُحسنُ الشعور غير ذي شعور، ومُعطي الاختيار غيرَ مختار، ومُفيض الإرادة غير مريد، وصانعُ المكمّل غير كامل. وهل يمكن أن يكون مُرسم العين ومصوّر البصر ومنوّر النظر غير بصير؟ بل من الواجب أن يكون ما في المصنوع من أنواع الكمال من فيض الكمال المناسب للصانع.. والمكروب الذي لا يعرف من الطيور إلا البعوضة إذا رأى البازي يقول ليس بطير إذ ليس له ما للبعوضة..
اعلم أن أشد ما تطلبه النفسُ الناطقةُ البقاءُ والدوامُ، حتى لو لم تنخدع بتوهم الدوام
Yükleniyor...