فإن شئت فانظر إلى علم الحيوان والنبات. فقد ثبت فيهما أن الأنواع التي يزيد عددها على مئتي ألف نوع، كلٌّ له أصل معيّن، وجدّ أكبر -مثلما الإنسان له أصل وهو آدم عليه السلام- وكل فرد من هذه الأنواع الوفيرة كأنه ماكنة بديعة عجيبة تبهر الأفهام. فلا يمكن أن تكون القوانين الموهومة الاعتبارية والأسباب الطبيعية العمياء الجاهلة، موجِدةً لهذه السلاسل العجيبة من الأفراد والأنواع. أي إن كل فرد، وكل نوع، يعلن بذاته أنه صادرٌ مباشرةً من يد القدرة الإلهية الحكيمة.
ويذكّرنا القرآن الكريم بهذا الدليل، في قوله تعالى: ﴿ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرٰى مِنْ فُطُورٍ ﴾ (الملك:٣) بل يبيّنه على أفضل وأكمل وجه، إذ كما أنه يأمرنا بالتفكر في المخلوقات فإنه يقرّر في الأذهان هذا الدليل (دليل العناية) بتعداده الفوائد والنعم، ومن بعد ذلك الإحالة إلى العقل في خواتيم الآيات وفواصلها. فينبه العقلَ ويحرك الوجدان في أمثال هذه الآيات: ﴿ ..اَوَلَا يَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ ...اَفَلَا يَعْقِلُونَ ﴾ ﴿ ...اَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ ﴾ ﴿ فَاعْتَبِرُوا... ﴾ .
الدليل القرآني الثاني: هو دليل الاختراع
وخلاصته: أنَّ الله تعالى أعطى لكل فرد ولكل نوع، وجودا خاصا، هو منشأُ آثاره المخصوصة، ومنبعُ كمالاته اللائقة، إذ لا نوعَ يتسلسل من الأزل. لأنه من الممكنات، ولبطلان التسلسل. وأن الحقائق لا تنقلب بل ثابتة، والأنواع المتوسطة لا تدوم سلاسلُها، أما تحوُّل الأصنافِ فهو غير انقلاب الحقائق، إذ ما يسمّونه من تغيّر صوَرِ المادة ما هو إلّا حادث، لأن حدوث بعضها مشهود، وبعضها الآخر يثبت بالضرورة العقلية. فالقوى والصور من حيث إنها عرضية لا تشكّل التباين الجوهري الموجود في الأنواع. فلا يكون العرَض جوهرا.
Yükleniyor...