اعلم (57) أنه إن قيل: إن الجودَ المطلق والرزقَ بلا حساب يلائمان العبثيةَ، وينافيان الحكمة من جهة؟ يقال له: نعم، إن انحصرت الغايةُ في الواحدة مع أن لكل شيء لا سيما حيّ، غاياتٍ متعددةً وثمرات متنوعة ووظائفَ مختلفة. ألا ترى أن للسانك وظائفَ بعدد شعر رأسك؟ فالجود باعتبارٍ غايةٌ بلا حساب وباعتبارٍ وظيفةٌ لا ينافي الحكمة والعدالة في وجوده الناظر إلى مجموع الغايات والوظائف، كالعسكر المستخدَم في تعقيب ذي جناية أو في حماية قافلة مثلا. ففي العسكر كثرةُ وجود بلا حساب بالنسبة إلى أمثال هذه الخدمات الجزئية مع القلة والمساواة لما يلزم لحفظ الثغور والحدود وسائر الغايات..
اعلم أنه يمكن أن يُتَصَوَّرُ الإنسانُ خلف أثره وصنعته الجزئية، ولا يمكن في مصنوع الصانع الأزلي إلّا من خلف سبعين ألف حجاب خلف ذلك المصنوع الجزئي. ولو أمكن لك أن تنظر إلى مجموع مصنوعاته دفعةً؛ لارتفعت الحُجبُ الظلمانيةُ، وبقيت الحُجبُ النورانية. فالطريق الأقرب في نفسك، لا في الآفاق إلاّ بالعشق السديد.
اعلم (58) أن أغلبَ مَن له نسلٌ من الحيوانات والنباتات ينوى كلُّ فرد -من الأغلب- الاستيلاءَ على وجه الأرض، ويريد التسلطَ عليها ليتخذَها مسجدا خالصا لنفسه يَعبُد بإظهار أسماء فاطره، في كل جزءٍ منها عبادةً غير متناهية لخالقها الذي لا نهاية للياقته للعبادة. فإن شئتَ فانظر إلى البطيخ ونواتاته، والشجر والنواتات في ثمراته، والسمك وبييضاته، والطير وبيضاته، إلاّ أنّ ضيقَ عالَم الشهادة وإحاطةَ علم عالم الغيب والشهادة بما كان، وبما يكون، وبما لم يكن لو كان كيف يكون.. اقتضيا قبولَ عباداتها بالقوة، (59) ونياتها المندمجة في بذورها.
Yükleniyor...